إشكالية السر المهني البنكي في ظـل قانون غسل الأمـوال - دراسة مقارنة-

إشكالية السر المهني البنكي في ظـل قانون غسل الأمـوال - دراسة مقارنة-

بقلم: الناجي محمد
عرف العالم في العقود الأخيرة موجة تشريعية كبيرة لمناهضة ظاهرة غسل الأموال، وتكثيف التعاون الدولي للحد من هذه الظاهرة، فتم عقد اتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بمكافحة الاتجار غير المشروع في المخدرات والمؤثرات العقلية الأخرى لسنة 1988، الشيء الذي أدى إلى تجريم عمليات غسل الأموال في جل التشريعات الوطنية.
ويعتمد القائمون بغسل الأموال على خدمات البنوك والمؤسسات المالية بصفة أساسية في غسل الأموال غير المشروعة، ولذلك يعد دور القطاع البنكي مهما وحيويا في مكافحة هذه العمليات، إذ لا يتسنى لغاسلي الأموال القيام بها دون استخدام الخدمات التي تقدمها البنوك نظرا لما يوفره غطاء السر المهني البنكي من حماية لهذه الأموال غير المشروعة، خصوصا في الدول التي تنهج نظام السر المهني البنكي المطلق.
وعليه توجد علاقة بين السر المهني البنكي، كالتزام يجب على البنوك التمسك به، وعدم إفشاء الأسرار البنكية لزبنائها، وبين ما تفرضه عليها التشريعات المتعلقة بمكافحة عمليات غسل الأموال من التبليغ عن العمليات المشبوهة، الشيء الذي يفرز إشكالا معقدا.
فهل يتم استبعاد مبدأ السر المهني البنكي في هذه الحالة، وترفع بالتالي المسؤولية عن البنوك في حالة إبلاغها عن العمليات المشبوهة إلى السلطات المختصة؟ أم أن المسؤولية تبقى ثابتة في حق البنك عن إخلاله بعلاقة الثقة، وبالسر المهني الذي يربطه بالزبون؟
أفرزت الإجابة عن هذا الإشكال تباينا تشريعيا بين الدول، تبعا لنظام السر المهني البنكي الذي تنهجه كل دولة. إذ توجد تشريعات ترفض الخروج عن مبدأ السر البنكي حتى في حالات غسيل الأموال (المطلب الأول) ، كما توجد تشريعات أخرى حديثة بدأت تخفف من هذا المبدأ، أو تسمح للبنوك بالإفصاح عن العمليات البنكية المشبوهة (المطلب الثاني).
المطلب الأول: التشريعات المتبنية لمبدأ السر المهني البنكي المطلق.
تطبق بعض الدول مبدأ السر المهني البنكي المطلق، إذ لا تسمح بالخروج عن هذا المبدأ إلا في أضيق الحدود. وعليه يجب على البنك الاحتياط في ظل هذه التشريعات حتى لا يقع تحت طائلة المسؤولية في مواجهة الزبون.
وتعتبر سويسرا من أبرز الدول التي تطبق مبدأ السر المهني البنكي بصرامة شديدة، إذ تفرض هذا الالتزام على البنك المركزي وعلى معاملات البنوك فيما بينها، إلى درجة يعتبر القانون اعتراف البنك بوجود حساب لزبون ما، مخالفة مباشرة للقانون تستوجب المساءلة، ولو كان ذلك فيما بين موظفي البنوك .
وأدى تطبيق مبدأ السر المهني البنكي المطلق في سويسرا، إلى استقطاب رؤوس أموال ضخمة من مختلف دول العالم، حتى أن الأبناك ساهمت في إخفاء أموال تجارة المخدرات ، والأسلحة والفساد الإداري والمالي ، الشيء الذي عرض البنوك السويسرية لانتقادات شديدة من قبل الدول المناهضة لعمليات غسل الأموال، بسبب عدم تعاونها دوليا لدعم موقف الحكومات الأجنبية ومساعدتها على ملاحقة بعض جرائم غسل الأموال ولا سيما تلك التي تأخذ طابعا سياسيا .
هذه الانتقادات دفعت سويسرا إلى التخفيف من نظام السر المهني البنكي للحفاظ على سمعة بنوكها، فقامت بعدة خطوات، كان أولها اتفاقية الحيطة والحذر التي وقعتها جمعية البنوك السويسرية مع باقي الأبناك سنة 1977، وآخرها قانون مكافحة تبييض الأموال، الذي أصبح ساري المفعول سنة 1998. والذي يوجب على البنوك التبليغ عن الحسابات المشكوك فيها للدولة وتجميد الأرصدة المشبوهة ، مما يدل على أن سويسرا رفعت السر البنكي فيما يتعلق بعمليات غسل الأموال . وبالتالي أعفت البنوك من المسؤولية عن خرق الالتزام بالسر المهني البنكي في مواجهة الزبون الذي يتم التبليغ عنه وكشف سره. ورغم كل هذا، تبقى البنوك السويسرية تطبق مبدأ السر المهني البنكي بصرامة شديدة.
كما تعد لبنان من بين الدول التي تأخذ بنظام السر المهني البنكي المطلق، حيث ترفض الخروج عن مبدأ السر المهني البنكي، إلا في حالات محدودة على سبيل الحصر مكرسة في قانون السرية المصرفية اللبناني لسنة 1956. وكان غرض المشرع اللبناني من إقرار هذا القانون هو اجتذاب رؤوس الأموال الأجنبية وخاصة العربية منها إلى البلد. لكن تزايد الضغوط على المشرع اللبناني بغية مكافحة عمليات غسل الأموال أدى به إلى الحد من السر المهني البنكي، رغم تحفظه لدى إبرام اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الاتجار غير المشروع في المخدرات والمؤثرات العقلية لسنة 1988، ولاسيما البنود المتعلقة بالسر المهني البنكي .
لكن رغم ذلك أصدر قانون مكافحة تبييض الأموال رقم 318 بتاريخ 20 أبريل 2001 الذي يتكون من 17 المادة . وبفضل هذا القانون تم إدخال تعديلات على قانون سرية المصارف، حيث أناط هذا القانون بهيئة التحقيق الخاصة حق رفع السر البنكي، حصرا دون غيرها، عن الحساب المشتبه بأنه يخفي تبييضا للأموال .
الشيء الذي يستنتج معه أن المشرع اللبناني رجح محاربة غسل الأموال عن التزام البنوك بالسر المهني البنكي، الأمر الذي ينجم عنه إعفاء البنك من المسؤولية عن خرق الالتزام بالسر المهني البنكي، وكشفه العمليات البنكية ذات المصادر المشبوهة.
كما تعد لوكسمبورغ من أهم المراكز المالية في العالم الآن لدرجة أن بنوكها أصبحت تنافس البنوك السويسرية في حجم الإيداعات لديها، إذ تجذب غاسلي الأموال نظرا لقوانين السر المهني البنكي المطلقة المطبقة فيها، إذ يعاقب القانون وبصرامة أي خرق أو إفشاء لسرية الحسابات .
ففي هذا البلد ولأسباب اقتصادية بالدرجة الأولى، رجح المشرع مبدأ السر المهني البنكي تحت طائلة المسؤولية الجنائية مما جعله قبلة لرؤوس الأموال الضخمة ذات المصادر غير المشروعة، كما يعتبر جنة ضريبية بالنسبة للشركات التي تتهرب دوليا من أداء الضرائب، إذ يعد من المألوف في بنوك لوكسمبورغ أن يتم فتح الحسابات بأسماء زائفة وشركات وأفراد أجانب بأسماء مواطنين. كما أن الغالبية الساحقة من الحسابات البنكية هي حسابات رقمية.
إضافة إلى ذلك توجد قيود على تبادل المعلومات بين البنك المركزي وبين فروعه خصوصا الفروع الموجودة في دول أجنبية، بحيث لا يجوز للبنك المركزي الاطلاع على حسابات الزبناء ومعرفة مراكزهم المالية في الفروع المختلفة .
كما لا تقدم لوكسمبورغ المساعدة للدول الأجنبية في مجال الإجراءات القانونية عن الجرائم المتعلقة بالحسابات البنكية، أو بالمسائل الضريبية للعملاء، أو في إطار الجهود الدولية لمكافحة غسل الأموال .
كل هذه العوامل التي سبق سردها، جعلت بنوك لوكسمبورغ وجهة محمودة لغاسلي الأموال، وخزانا لرؤوس الأموال الآتية من تجارة المخدرات وصفقات الأسلحة، وملاذا آمنا للتهرب الضريبي الدولي، ولمختلف الفضائح المالية الدولية، تحت غطاء السر المهني البنكي المطلق.
إضافة إلى هذه الدول توجد بعض الجزر المشهورة بعمليات غسل الأموال كجزر كايمن وجزر هايتي ، حيث تطبق مبدأ السرية البنكية المطلقة بدون أي استثناء، إذ يقوم اقتصاد هذه الجزر على المعاملات البنكية المشبوهة ، كما تعتبر بمثابة جنات ضريبية للشركات المتعددة الجنسيات المتهربة من الضريبة على الصعيد الدولي، وبالنظر إلى سهولة وبساطة تأسيس شركة في هذه الجزر، زيادة على الإعفاءات الجبائية المقدمة من قبل هذه الجزر، مما جعل المجتمع الدولي يضعها على رأس القائمة السوداء للدول التي لا تبذل جهودا لمكافحة ظاهرة غسل الأموال.
وعموما حافظت هذه الدول على مبدأ السر المهني البنكي وغلبت مسؤولية البنك عن إفشاء أسرار زبنائه تحت أي مسمى بالرغم من أن كلا من سويسرا ولبنان قامت بتعديل قوانينها الخاصة بالسرية البنكية للتخفيف من هذا المبدأ المطلق، إلا أنه يبقى استثناء من الاستثناءات التي لا يجب التوسع فيها، نتج عن الضغوط الدولية لمكافحة ظاهرة غسل الأموال.
المطلب الثاني: الدول المتبنية لقوانين مكافحة غسل الأموال.
تنهج غالبية الدول التي تبنت قوانين مكافحة غسل الأموال، نظام السر المهني البنكي النسبي، حيث ترفع في ظل قوانين هذه الدول، مسؤولية البنوك في حالة تبليغها عن العمليات البنكية ذات المصادر المشبوهة إلى الجهات المكلفة بمحاربة غسل الأموال، وعليه يسمح للبنك بخرق السر المهني البنكي متى تعلق الأمر بأي نوع من هذه العمليات دون الوقوع تحت طائلة المسؤولية .
وتعتبر اتفاقية فيينا للأمم المتحدة المتعلقة بمكافحة الاتجار غير الشروع في المخدرات والمؤثرات العقلية لسنة 1988، من بين أهم المصادر التي اعتمدتها الدول لمكافحة غسل الأموال، حيث التزمت الدول الأعضاء في هذه الاتفاقية بتضمين تشريعاتها الوطنية إجراءات جزائية وإدارية من أجل كشف جميع الإيرادات الناتجة عن الجرائم ذات الصلة، ومكافحة غسلها بطرق ناجعة وفعالة، فضلا عن مصادرة العائدات غير المشروعة، إضافة إلى إلزام البنوك والمؤسسات المالية باتخاذ الإجراءات التي يمكن بواسطتها معرفة أصحاب المعاملات البنكية وتشديد الرقابة من خلال القوانين التي تتعلق بالبنوك، وكشف عمليات غسل أموال المخدرات، وفرض حظر على إيداع أموال في البنوك دون معرفة أسماء أصحابها، تطبيقا لمبدأ "اعرف عميلك" . بالإضافة إلى ذلك تم عقد العديد من الاتفاقيات الدولية والإقليمية بهدف مكافحة ظاهرة غسيل الأموال، وتدور هذه الاتفاقيات حول ضرورة تعزيز التعاون بين الدول في مجال مكافحة عمليات غسل الأموال، واتخاذ البنوك والمؤسسات المصرفية الإجراءات اللازمة للحد من هذه الظاهرة بواسطة تشريعات وطنية .
ففي هذا السياق نجد المشرع الأمريكي قد سن قانون سرية البنوك منذ سنة 1970 بهدف وقاية بنوكه الوطنية من جريمة غسل الأموال، وذلك بإلزامها برفع تقارير عن العمليات النقدية إلى مصلحة الضرائب، كما تبنى أول قانون يتعلق بتجريم غسل الأموال سنة 1986، ضمن فيه المسؤولية الجنائية لكل شخص يقوم بتعامل مالي رغم علمه بمصدره غير المشروع ، وكانت هناك عدة تعديلات على هذا القانون تستهدف التوسيع من نطاقه.
وألزم هذا القانون البنوك والمؤسسات المالية الخاضعة لأحكامه بتقديم تقرير عن المعاملات النقدية إلى إدارة خدمة الدخول، وذلك خلال موعد أقصاه خمسة عشر يوما من تاريخ كل معاملة تزيد قيمتها عن عشرة آلاف دولار يقوم بها فرد واحد أو مودع في اليوم الواحد.
وفي حالة إخلال إحدى المؤسسات المذكورة بهذا الالتزام تقع تحت طائلة المسؤولية الجنائية، إضافة إلى عقوبة الإهمال التي تصل قيمتها إلى ألف دولار أمريكي لكل حالة على حدة .
بهذه الإجراءات يكون المشرع الأمريكي قد حاول الحد من ظاهرة غسل الأموال، وإن كانت الولايات المتحدة الأمريكية تبقى من بين دول العالم جدبا لغاسلي الأموال .
من خلال ما تقدم يتبين أن المشرع الأمريكي غلب الالتزام بمحاربة غسل الأموال على الالتزام بالسر المهني البنكي، وبالتالي أعفى البنوك والمؤسسات المالية من المسؤولية عن تبليغ الجهات المختصة بمحاربة غسل الأموال خدمة للمصلحة العامة.
كما أن المشرع الفرنسي أصدر قانونا سنة 1990 بمقتضاه تلتزم البنوك والمؤسسات المالية بالإبلاغ عن الحسابات والتحويلات المشبوهة إلى إدارة خاصة في وزارة الاقتصاد والمالية. وقام بتعديله بقانون سنة 1998 الذي أضاف بعض الإجراءات حيث جعل واجب التبليغ يقع على عاتق الجهات البنكية إلى رئيس النيابة وليس إلى جهة إدارية .
كما أن المشرع المصري سن القانون رقم 80 لسنة 2002 المتعلق بتحديد الإطار العام لجريمة غسل الأموال ووسائل مكافحتها، حيث أدخل تعديلات على قانون رقم 205 لسنة 1990 المعدل بقانون رقم 97 لسنة 1992 المتعلق بسرية الحسابات المصرفية. كما تضمن واجب التبليغ إلى وحدة إدارية أنشئت لهذا الغرض بالبنك المركزي، بالإضافة إلى واجب التعاون مع السلطات القضائية كلما تبين للبنوك والمؤسسات المالية أن هناك عمليات مالية مشبوهة . كما حددت المادة 4 من قانون مكافحة غسل الأموال اختصاصات الوحدة في تلقي الإخطارات الواردة من المؤسسات المالية عن العمليات التي يشتبه في أنها تتضمن غسيلا للأموال.
يستنتج مما سبق أن كل التشريعات المقارنة تعفي البنوك وغيرها من المؤسسات المالية، من التزامها بالسر المهني إزاء العمليات البنكية وتلزمها بالتبليغ عن العمليات المالية المشبوهة التي قد تندرج ضمن محاولات غسل الأموال المتحصلة من الجرائم.
فماذا عن المشرع المغربي؟
يتفاعل المغرب بدوره مع محيطه الدولي، الذي يطغى عليه مكافحة عمليات غسل الأموال المرتبطة بجرائم الاتجار في المخدرات والفساد وتحصيل العمولات في العقود الدولية، واختلاس المال العام، والإرهاب، وغير ذلك من الجرائم الخطيرة؛ حيث صادق ونشر في 12 فبراير 2004 اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة، كما بادر المغرب إلى وضع قواعد تشريعية معاصرة يسعى من خلالها إلى تحصين اقتصاده وحماية مؤسساته المالية وفق رؤية منسجمة مع توجهات المجتمع الدولي ، إذ في هذا السياق جاء القانون رقم 34.03 المتعلق بمؤسسات الائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.05.178 بتاريخ 15 محرم 1427 (14 فبراير 2006)، مستجيبا لكل المعايير الدولية في مجال التنظيم المالي. لكن هذا القانون سيعرف تغييرا و تعديلا بمقتضى مشروع قانون رقم 103.12، الذي صادق عليه المجلس الحكومي بتاريخ 16 يناير 2014، و من المنتظر أن يخرج إلى حيز التطبيق في الشهور القادمة، و تأتي هذه التعديلات الجديدة في سياق سعي المشرع إلى توسيع مجال تطبيق هذا القانون؛ حيث تضمن مقتضيات جديدة خاصة بخدمات الاستثمار، والخدمات المرتبطة بها و التي يمكن مزاولتها من طرف مؤسسات الائتمان. كما تضمن كذلك فئة جديدة من هذه المؤسسات تسمى "مؤسسات الأداء" نظرا للنمو الذي عرفته الوسائل الجديدة للأداء والعاملين في قطاع الأداء، كما أدرج هذا المشروع جمعيات السلفات الصغرى ضمن المؤسسات المعنية بمراقبة بنك المغرب خصوصا في ما يتعلق بمنح وسحب الاعتماد لمزاولة نشاط السلفات الصغرى، وبالقواعد المحاسبية والاحترازية وبالمراقبة والإشراف الاحترازي الكلي، وكذا بالعلاقة مع العملاء ونظام العقوبات. كما يشتمل هذا المشروع على مقتضيات لتأطير نشاط البنوك التشاركية والتي تقدم عددا من المنتوجات والخدمات المالية التشاركية كالمرابحة والإجارة والمشاركة والمضاربة، ونص على أن هذه البنوك تزاول أنشطتها طبقا للآراء بالمطابقة الصادرة عن المجلس العلمي الأعلى.
وفي نفس السياق، تضمن المشروع عددا من المقتضيات الاحترازية الجديدة المتعلقة بالحكامة مثل الالتزام بتشكيل لجان التدقيق والمخاطر من طرف مؤسسات الائتمان، وواجب اليقظة طبقا للأحكام الجاري بها.
وفي مجال الاستقرار المالي، تضمن المشروع أيضا ترتيبات مؤسساتية جديدة لتقوية التعاون بين سلطات مراقبة النظام المالي من أجل مواجهة المخاطر الشمولية وتسوية الأزمات، إذ في هذا الإطار نص على إنشاء لجنة تسمى "لجنة التنسيق والرقابة على المخاطر الشمولية". كما ينص المشروع على تغيير النظام الأساسي للصندوق الجماعي لضمان الودائع بإسناد تدبير هذا الصندوق، وكذا صندوق ضمان ودائع البنوك التشاركية إلى شركة مساهمة تحت مراقبة بنك المغرب. و فيما يخص مراجعة نظام العقوبات، تم التنصيص في المشروع على الرفع من قيمة الغرامات المنصوص عليها في القانون الحالي حتى تتماشى مع التغيرات والتطورات على الصعيدين الاقتصادي والمالي.
ففيما يخص مكافحة عمليات غسل الأموال، و انسجاما مع فلسفة المشرع المغربي في التعامل مع هذه الظاهرة، ألزم مؤسسات الائتمان والهيئات الأخرى الخاضعة لمراقبة بنك المغرب بالتقيد بواجب اليقظة فيما يتعلق بكل عملية يكون الداعي الاقتصادي إليها أو طابعها المشروع غير واضح. الشيء الذي يستفاد منه، أن المشرع ألقى على مؤسسات الائتمان، وباقي المؤسسات المالية عبء التحقق من كل عملية مالية مشبوهة، في تلميح إلى الاضطلاع بدور مكافحة العمليات ذات المصادر غير المشروعة، لكنه أردف في الفقرة الثانية من نفس المادة أنه سيصدر منشورا عن والي بنك المغرب يحدد كيفية تطبيق هذه المادة بعد استطلاع رأي لجنة مؤسسات الائتمان.
لكن المغرب برهن عن نيته الصادقة في الانخراط في الموجة الدولية لمكافحة غسل الأموال من خلال القانون رقم 43.05 المتعلق بمكافحة غسل الأموال، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.07.79 بتاريخ 28 من ربيع الأول 1428(17 أبريل 2007) ، واستوحى المشرع المغربي مواد هذا القانون من مختلف الاتفاقيات والملتقيات الدولية والإقليمية الخاصة بمكافحة غسل الأموال.
لكن ما يلاحظ على هذا القانون، هو أنه لم يأتي في شكل قانون مستقل بذاته على غرار عدة دول، بل تم إقحامه في نصوص القانون الجنائي، مما استوجب إدخال تعديلات على الباب التاسع من القسم الأول من الكتاب الثالث من القانون الجنائي الخاص بالجنايات والجنح المتعلقة بالأموال. فتم إحداث فرع سادس مكرر سمي بغسل الأموال.
وجاء هذا القانون مستجيبا للتطورات التي وصلت لها أحدث التشريعات لمكافحة غسل الأموال، حيث ألزم البنوك وجميع المؤسسات المالية باليقظة، وجمع كل عناصر المعلومات التي تمكن من تحديد هوية زبنائها المعتادين أو العرضيين و المستفيدين الفعليين و التحقق منها ، وأن تتحرى حول مصدر الأموال التي تحيط بها ظروف غير اعتيادية أو معقدة ولا يبدو أن لها مبررا اقتصاديا أو موضوع مشروع ظاهر . وفي هذه الحالة يقوم الأشخاص الخاضعون لقانون غسل الأموال بالتحري لدى الزبون حول مصدر هذه المبالغ و الغرض منها وحول هوية المستفيدين منها، وعند كل شك في المصدر غير المشروع للأموال، ألزم القانون البنوك وجميع المؤسسات المالية (الأشخاص الخاضعون) بتقديم تصريح بالاشتباه إلى الوحدة المحدثة لدى الوزارة الأولى (رئاسة الحكومة حاليا) طبقا للمادة 14 من القانون رقم 43.05 المتعلق بمكافحة غسل الأموال الخاصة بمعالجة المعلومات المالية، وفق الكيفيات المبينة في المواد 9 و10 و11 من قانون غسل الأموال، كما ألزم المشرع كذلك الأشخاص الخاضعين المنصوص عليهم في المادة 2 من نفس القانون على الالتزام بالمراقبة الداخلية؛ وذلك بوضع تدابير داخلية لليقظة و الكشف و المراقبة و تدبير المخاطر المرتبطة بغسل الأموال، و تكليف الأشخاص المؤهلون لتقديم التصريح بالاشتباه المشار إليهم في المادة 9 من نفس القانون بتجميع المعلومات المحصل عليها حول العمليات التي لها طابع غير اعتيادي أو معقد، و إخبار مسيريهم كتابة بصفة منتظمة حول العمليات المنجزة من لدن الزبناء الذين يظهر أنهم يشكلون درجة كبيرة من المخاطر ، حتى يمكن للوحدة المذكورة أعلاه و لسلطات الإشراف و المراقبة المنصوص عليها في المادة 13.1 من التي تتخذ القرار الملائم بشأن مآل القضية المعروضة عليها طبقا للمواد 17 و 18 و 19 من نفس القانون.
وما يستنتج عموما، هو أن المشرع المغربي نهج نظام السر المهني البنكي النسبي الذي يعفي البنوك وجميع المؤسسات المالية من المسؤولية عن التبيلغ إلى الوحدة الخاصة بمعالجة المعلومات المالية عن كل عملية مالية مشبوهة، وبذلك يكون قد رجح الالتزام بمحاربة غسل الأموال على التقيد بالسر المهني البنكي.

المراجع المعتمدة:

*- صفوت عبد السلام عوض الله، الآثار الاقتصادية لعمليات غسل الأموال ودور البنوك في مكافحة هذه العمليات، مقال منشور بمجلة الحقوق، العدد الثاني، السنة التاسعة والعشرون، يونيو2005.
*- خالد سليمان ، تبييض الأموال جريمة بلا حدود –دراسة مقارنة- المؤسسة الحديثة للكتاب، طرابلس،2004.
*- جلال وفاء محمدين، دور البنوك في مكافحة غسيل الأموال، دار الجامعة الجديدة للنشر، الإسكندرية 2004.
*-هيام الجرد، المد والجزر بين السرية المصرفية وتبييض الأموال، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، الطبعة الأولى 2004.
*- غنام محمد غنام، مدى التحلل من الالتزام بالسرية في ظل تشريعات مكافحة غسل الأموال، مقال منشور ببحوث مؤتمر الأعمال المصرفية بين الشريعة والقانون، المنظم أيام 10 و 11 و 12 ماي 2003 بكلية الشريعة والقانون، جامعة الإمارات العربية المتحدة بالتعاون مع غرفة تجارة وصناعة دبي.
*- خالد سعد زغلول حلمي،ظاهرة غسيل الأموال ومسؤولية البنوك في مكافحتها، بحوث مؤتمر الأعمال المصرفية بين الشريعة والقانون، المنظم أيام 10-11-12 ماي 2003 بكلية الشريعة والقانون، جامعة الإمارات العربية المتحدة بالتعاون مع غرفة تجارة وصناعة دبي.
*-إدريس بلمحجوب، دور الأجهزة القضائية والمؤسسات المالية في مكافحة غسل الأموال،مقال منشور بمجلة القضاء والقانون ،العدد151.

*** موظف- باحث، صف الدكتوراه في القانون الخاص، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، فاس.



نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://mcmd.ma/news63.html
نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : 0
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
أضف تعليقك
    تعليقات الزوار